ابن كثير

170

البداية والنهاية

عشر ألف دينار ، وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار . قلت : فعلى الأول يكون ذلك خمسة آلاف دينار ، وستمائة ألف دينار ، وعلى الثاني يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار ، ومائتي ألف دينار . وقيل إنه صرف أكثر من ذلك بكثير ، والله أعلم . قال أبو قصي : وأتى الحرسي إلى الوليد فقال : يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها . فنودي في الناس الصلاة جامعة . فاجتمع الناس فصعد الوليد المنبر وقال : إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها ، ثم قال : يا عمرو بن مهاجر ، قم فأحضر أموال بيت المال ، فحملت على البغال إلى الجامع ، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر ، ثم أفرغ عليها المال ذهبا صبيبا ، وفضة خالصة ، حتى صارت كوما ، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الرجل من الجانب الآخر ، وهذا شئ كثير ، ثم جئ بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة ، وفي رواية ست ( 1 ) عشرة سنة مستقبلة ، لو لم يدخل للناس شئ بالكلية ، فقال لهم الوليد : والله ما أنفقت في عمارة هذا المسجد درهما من بيوت المال ، وإنما هذا كله من مالي . ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله عز وجل على ذلك ، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين . فقال لهم الوليد : يا أهل دمشق ، والله ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئا من بيوت المال ، وإنما هذا كله من مالي ، لم أرزأكم من أموالكم شيئا . ثم قال الوليد : يا أهل دمشق ، إنكم تفخرون على الناس بأربع ، بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم ، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع ( 2 ) . وقال بعضهم : كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلازورد ، في كل منها : بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم . لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا نعبد إلا إياه ، ربنا الله وحده ، وديننا الاسلام ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمر ببنيان هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله أمير المؤمنين الوليد ، في ذي القعدة سنة ست وثمانين ، وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم إلى آخر الفاتحة ، ثم النازعات ، ثم عبس ، ثم إذا الشمس كورت ، قالوا : ثم محيت بعد مجئ المأمون إلى دمشق . وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلها ، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات ، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب ، وفوق الكرمة الفصوص المذهبة والخضر والحمر والزرق والبيض ، قد صوروا بها سائر البلدان المشهورة ، الكعبة فوق المحراب ، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة ، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك ، وسقفه مقرنص بالذهب ، والسلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب وفضة ، وأنوار الشموع

--> ( 1 ) في معجم البلدان ( دمشق ) : ثمان عشرة سنة . ( 2 ) انظر الحدائق والعيون ص 4 - 5 .